السيد هادي الخسروشاهي

40

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )

عنايته لحلّ عقل الأوهام عن قوائم العقول ، فنشطت لذلك الباب واستضاءت بصائر ، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وانشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية ، فاشتغلوا على نظره وبرعوا ، وتقدّم فنّ الكتابة في مصر بسعيه ، وكان أرباب القلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل ، وما كنّا نعرف منهم إلّا عبد الله فكري باشا وخيري باشا ومحمد باشا وسيد احمد على ضعف فيه ومصطفى باشا وهبي على اختصاص فيه ، ومن عدا هؤلاء فإمّا ساجعون في المراسلات الخاصة ، وإمّا مصنّفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وما شاكلها . ومن عشر سنوات ترى كتبه في القطر المصري لا يشقّ غبارهم ، ولا يوطّأ مضمارهم ، وأغلبهم أحداث في السنّ شيوخ في الصناعة ، وما منهم إلّا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته أو قلّد المتّصلين به ، ومنكر ذلك مكابر وللحقّ مدابر . هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلًا للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية ، أخذاً بقول جماعة من المتأخّرين في تحريم النظر فيها . على أنّ القائلين بهذا القول لم يطلقوه ، بل قيّدوه بضعفاء العقول ، قصار النظر ، خشية على عقائدهم من الزيغ ، أمّا الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين ، من موافقين لمذاهبهم أو مخالفين ، فلا يزيدهم ذلك إلّا بصيرة في دينهم وقوة في يقينهم ، ولنا في أئمة الملّة الاسلامية الف حجة تقوم على ما نقول ، ولكن تمكّن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل وأذاعوا ذلك بين العامة ، ثم أيّدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة كانوا يطرقون مجلسه فيسمعون ما لا يفهمون ، ثم يحرّفون في النقل عنه ولا يشعرون ، غير أنّ هذا كلّه لم يؤثّر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله . ولم يزل شأنه في ارتفاع ، والقلوب عليه في اجتماع ، إلى أن تولّى خديوية مصر حضرة خديويها المغفور له توفيق باشا ، وكان السيد من المؤيدين لمقاصده الناشرين لمحامده ، إلّا أنّ بعض المفسدين ومنهم ( مستر فيفيان ) قنصل انكلترا الجنرال سعى فيه لدى الجناب الخديوي ، ونقل المفسد عنه ما الله يعلم أنّه بريء منه حتى غيّر قلب الخديوي عليه ، فأصدر أمره باخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب ، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة 1296 وأقام بحيدرآباد الدكن ، وفيها كتب هذه الرسالة في نفي مذهب الدهريين .